فخر الدين قباوه
12
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر
والتصحيف والتحريف والأغاليط والأوهام ، والموازنة بين مذاهب النحاة للترجيح والتصويب ، وتثبيت الأصول المنهجية للبحث العلمي . على أن نزعة التقويم هذه لم تلزم حدود بغداد ، وإنما انتشرت ظلالها في العالم الإسلامي ، فاستجاب لها الدرس النحوي باصطناع مذهب للتحقيق أيضا ، في الأقطار المختلفة . ثم تصدى بعض الأوصياء من العلماء ورجال المؤسسات ، لرصد الانحراف في التعبير ، فوضعوا ما يرون أنه تصويب وتسديد ، وكان فيه كثير من التنطع والتعصب لمشهور الأقوال والمذاهب . وانصرف بعض المعاصرين إلى طريق معاكسة ، تأثرا بالغزو الثقافي الغربي ، فدعوا إلى قبول كل تعبير ، مهما كان مستواه ، لتثبيت العامية واللهجات المحلية . وكان لا بد من الفصل بين الطرفين ، بتحديد الأصول التي تحفظ نماء اللغة وتجددها ، في حدود طبيعتها وتاريخ تطورها المديد ، لتبقى للفصاحة سبل التفتح واستيعاب ما يجد من العلوم والمعارف والتجارب . هذا هو مدى البحث الأول . أما البحث الثاني فقد تناول التحليل البلاغي في تفسير الشعر ، فبدأ بما صدر عن الجاهليين والإسلاميين ، من توضيح لتجارب الشعراء الخفية ، في مطاوي التعبير الفنّي . وتلا ذلك العرض لنشاط المجالس والمؤلفين حتى القرن الخامس ، بتتبع ألوان البيان والمعاني والبديع ، والتعبير عن الدلالات والأبعاد ، ووضع المصطلحات المستوعبة للفنون البلاغية المتأصلة ، بجهود كبار النّقاد والأدباء والعلماء . وخلال ذلك المنطلق ، ظهرت المصطلحات مضطربة أحيانا ، ثم استقرت بوضوح ودقّة وصفاء ، فامتازت صور التشبيه والاستعارة والكناية ، وضروب التعبير عن المعاني الدقيقة والبعيدة ، وألوان التّفنّن في البديع ، واستطاع الخطيب التبريزي أخيرا أن يستقطب تلك النتائج الناضجة ، ليوظّفها في مصنفاته ، من شرح للدواوين